الثلاثاء، 20 نوفمبر 2018

بائــــع جَبـــــانْ - مهمشون - قصص لعبد الصادق بن عيسى

في هوامش المجتمعات حياة تدب ، مهمشون كان الهامش اختياراً لهم واخرون ما كان لديهم من بديل ،عيونٌ حزينةٌ حيناً حنقةٌ أحياناً ، وجوهٌ شاحبةٌ تلازم مناطق الظل ، وأجساد حين تتعب تستلقي على الرصيف ...وفِي صمت هذا العالم الذي يحاكي صمت القبور تحدث صرخاتٌ ناقمةٌ غاضبةٌ قد لا تسمع الى حين يأتي الهامش يخترق المجتمع ، يمنحه ولو للحظة إيقاعه وألوانه ....
مهمّشون ، قِصص يكتبها ويقدمها " عبد الصادق بن عيسى "


* بائــــع جَبـــــانْ *
اعتاد عبد الرحمن المرسى على القدوم الى مدينته أصيلة كل صيف لقضاء العطلة ، لا ينفك الرجل الذي يبلغ الان من العمر اثنين وستين عاماً يردد ان العطلة تكون في نظره منقوصةً إن لم يقضيها في أصيلة ...ربما بالغ في حديثه ، ولكن حبه الشديد لمدينته تلك يدفعه الى ان يقول ما يقوله ،مثل عبد الرحمن يوجدون في كل أنحاء البلاد وفِي كل البلدان.
في العام ١٩٩٤ كان عبد الرحمن المرسى قد أتم عامه الأربعين في مهجره ببلجيكا ،كل أولاده الثمانية ولدوا هناك وكلهم يعرفون أصيلة إذ كان يصحبهم معه لما كانوا صغارا ، كان واحداً من المهاجرين الذين يُضطَرهم العدد الكبير لأفراد أسرهم الى شراء سيارات كبيرة ،الآن صار كل واحد من أبنائه مستقلاً بذاته ومنهم من تزوجوا وأنجبوا له أحفاداً ، صار منذ عدة أعوام الان يسافر وحيداً او برفقة زوجته رحيمو بنت جيرانهم في أصيلة التي شغف بها ....
حين لا ترافقه في رحلاته الى أصيلة التي يرفض التنازل عنها بل انه يرفض ان يساومه أي كان في شأنها يكون لديه من الوقت ما يكفي للقاء بأصدقاء الطفولة التي ولت منذ عقود ، وبحضورهم تحضر تلك الذكريات الغابرة ،تلك التي يعدها هو وأصدقائه من لازال منهم على قيد الحياة زمنهم الجميل الذي يشدهم الحنين اليه بقوة لا يستطيعون مقاومتها ....
يُمضي أولئك الأصدقاء القدامى كل يوم ساعاتٍ من المساء ويمتد بهم السمر حتى يقترب الفجر ، في اغلب الأيام يبدأ السمر بوجبة عشاءٍ أساسها طجين سمك... كان البشير الذي يلقبونه الروبيو المتقاعد من المكتب الوطني للسكك الحديدية هو من يتولى امر إعداد " التاگرا " كذلك يسمونها ،يحملها قبيل المغرب الى فرن شعبي قريب ...
كان الفرّان " الحسن " من أمهر الفرّانين يعلمون جميعهم ان طجين السمك حين ينتهي الى يده لا يُخشى عليه احتراقاً ولا إفسادا لمذاقه . تكاد تتشابه ليالي السمر التي يُمضيها عبد الرحمن مع أصحابه من أبناء المدينة القديمة ، وجوه كثيرة غابت عن أصيلة ،منها من غيّبها الموت وظلت ذكراها حاضرةً كلمات ومواقف ،ومنها من انتقلت للعيش في مدن أخرى او في بلدان أخرى وانقطعوا عن المدينة ولَم يعد يذكرهم الا من كانوا له أصدقاء في زمن ولّى ...
ذات صباح من غشت من العام ١٩٩٤ وقد قُدِم عبد الرحمن بمفرده الى أصيلة لقضاء العطلة قرر الذهاب الى الشاطئ ، في حسابه ان يستمتع بالبحر قبل ان يكتظ بالمصطافين، وهو يغادر منزل عائلته يحمل قفة بها ماء ومشروب غازي وبعض الأكل التقى العسري جاره القديم وكان هو الاخر يهم بالذهاب الى الشاطئ ، وكذلك اتفقا على الذهاب سوياً ،وبينما كانا في الطريق الى موقف السيارات حيث يركن عبد الرحمن سيارته ذات الألواح المعدنية المكتوبة بالأحمر بدا لهما ان يمضيا في يومهما ذاك الى شاطئ اقواس بريْشْ ، شاطئ يتيح امتداده مكانا لكل من أراد الاستمتاع بحرارة شمس غشت التي يقال إن أشعتها تشفي أسقاماً كثيرة منها الروماتيزم كما هو مشخّص في عرف العامة .
تحمّل الرجلان صعوبة المشي على الرمال الناعمة يريدان الابتعاد عن مجموعة من المصطافين ثم بدا لهما مكان مناسب لما يريدانه ، أخرج عبد الرحمن العصا المعدني لمظلته وطعن به الرمل الذهبي ،ثم نصب المظلة ... قال له صاحبه إنهما محظوظان إذ لم تكن الرياح تهب بقوة في ذلك اليوم ، أرسل على الرمل فوطة بها رسوم متداخلة وفعل صاحبه مثله ثم من محفظة كتلك التي تسخر لجمع أدوات الاستحمام اخرج قنينة بلاستيكية بها مادة تقي من أشعة الشمس ، كان العسري يتابع ببعض الاهتمام ما يقوم به صديقه القادم من بلجيكا وقد يكون الفضول يدفع به الى متابعة حركات الستيني أو إنه كان يتوقع ان يُخرج من تلك المحفظة ذات اللون الأزرق كلون البحر منتوجاً لا يصادفه في أسواق أصيلة ، طلب منه ان يمسح له ظهره بذلك المنتوج ، كانت رائحته مقبولة ، حين فرغ من ذلك وحتى يكافئه طلب منه ان يتمدد على بطنه فقام بنشر تلك المادة على أعلى ظهره وذراعيه وساقيه، تمدد الاثنان وقد وضع كل منهما قبعةً على رأسه ، ظل عبد الرحمن كما كان يفعل صغيراً ينظر الى الأفق البعيد الذي لا تدركه عيناه ...هو السراب يتراقص ، لا احد يمضي على الرمل في تلك الجهة التي ينظر اليها ، في الجهة الأخرى مجموعة المصطافين تبدوا بعيدة بما يكفي ، عدا ذلك لا شيئ ...حتى النوارس راحت تأخذ قسطاً من الراحة او هي مضت بعيداً تحلق فوق الموج الذي يتردد على الشاطئ المديد... أغفى عبدا الرحمن وقد ظن ان رفيقه أغفى قبله إذ لم يعد يسمع منه حديثاً ، ولما فتح عينيه ولَم يكن يدري كم مضى من الوقت رأى ان المشهد الذي أغمض عليه عينيه لم يتغير ، في الأفق البعيد يواصل السراب رقصاته التي قد تغوي الظمئان ، نظر الى الجهات الأخرى ولم يرى شيئا ثم وهو يهم بإغماض عينيه من مكان قريب سمع صوتاً يعرض " كاوْ كاوْ " الفول السوداني، نهض من مكانه واستوى قاعداً ، بسمل وقرأ المعوذتين وهو يتسائل من أين أتى هذا الذي يعرض "الكاوْكاوْ" ....
رأى أمامه رجلاً تنزع قامته الى القِصر ، سرواله الذي طوي الى ما فوق الكعبين يقوّي الانطباع بان الذي أمامه قصير القامة ، يحمل الرجل في يده قفة نسجت من نبتة الدّوم وقد ملئت عن اخرها بالفول السوداني الذي يعد من المنتوجات التي تشتهر بها أصيلة ، على رأسه قبعة من ورق تنتهي حادّة فوق أم راْسه . وقف الرجل على بعد خطوات ، وضع قفته على الرمل وصار ينظر اليه وهو يبتسم ، ولما راه فزعاً أعاد عدى مسمعه تلك اللازمة " كاوْكاوْ " اندفع العسري جالساً هو الاخر ، لعل بائع الفول السوداني ايقضه من نوم لن يجد احلى منه في مكان اخر ، لما عاد الى نفسه سأل عبد الرحمن بائع " الكاوكاو " عما اذا كان وصل أدى جوارهما محلقاً .
ابتسم الرجل ابتسامة من استعد لتحمل كل ما قد يصدر عن من يعرض عليهم بضاعته ، ثم قال : جئت مشياً من هناك ، وأشار الى جهة النهر ، وحتى يلطّف الجو تدخل العسري وطلب منه ان يعد لكل منهما درهمين من الكاو كاوْ ، ثم ما لبث الرجل ان انصرف آخذا وجهة تلك المجموعة من المصطافين ، انهمك عبد الرحمن وصديقه في أكل الكاوكاو وتأمل البحر ، الموج يأتي لينهي رحلته ملقيا بنفسه على شاطئ بلون الذهب ... وفجأة من خلفهما وكأنه انبعث من الرمل جاء صوت يعرض " جبانْ كُولْ اوبانْ " تلك الحلوى المغربية التي يقوم باعتها بإلصاقها على عصا غليظة من قصب البامبو ، يغلب على تلك الحلوى اللون الأبيض ، ولكن هناك من يجتهد في زخرفتها بخطوط من الحلوى المصبوغة بالأحمر ، وقف امامهما رجل نحيف مديد القامة، بسحنته سمرة ، ألقى بالسلام ... ابتسم فظهرت كاملة اسنانه ناصعةُ البياض وبيده سكين لم يعد منه الا المقبض وجزء غير طويل من شفرته ، وهو السكين الذي يستعمله اغلب من يبيعون " جبان كولْ او بان " .
كان العسري هو من اخذ المبادرة مرة اخرى، طلب درهماً لكلٍ منهما من تلك الحلوى التي تثير لعاب الصغار والكبار على حد سواء ، ولكن عبد الرحمن وهو ينظر الى الرجل ظن ان ذاك الوجه ليس غريباً عنه ، لا يدري كيف حضره اسمه باتلك السرعة .
وقف وهو ينظر اليه ثم بلا تقديم ولا تمهيد سأله : ألستَ عبد القادر ؟
عبد القادر من يا سيدي ؟؟
عبد القادر ... ألم تسكن في وقتٍ ما في باب الحُومر ؟؟ ... بدا الرجل وقد فاجئه ان يكون هذا الواقف أمامه يعرف شيئاً عنه...لم يكن لديه مجال كبير للتهرب ... نعم لقد سكنت عائلتي في باب الحومر في ما مضى .
أو ألم تعرفني ؟
لا يا سيدي ...
ألست ابن يامنة ؟؟
فاليرحمها الله .....
أنا اخوك عبد الرحمن ... لقد أرضعتني أمك وكنت اعتبرها اماً لي .
عانقه وضرب له موعداً في المساء في مقهى يعرفها ، يومها اكتشف عبدالرحمن ان عبد القادر بائع " جبانْ" إنما غاب عن أصيلة لانه كان معتقلاً ...حكى له كيف اتهم بقتل رجل في المدينة القديمة اذ ضبط وهو يحاول مساعدته .
قال له انه كان يعاني من جرح غائر على مستوى الرقبة ،وان أناس اكتشفوه وهو يحاول إنهاضهه فشهدوا زوراً بانه من طعنه وبأنه من كان يحاول سرقة ما كان معه من مال ، كان العسري يتابع الحديث باهتمام . ولما أنهى بائع جبان حديثه قال العسري ان الذي قتل ذلك الرجل مات قبل بضعة أشهر في حادثة سير.
نظر اليه عبد القادر بعينين مفتوحتين الى حدودهما القصوى ولم يعقب ....

حُفِظت القضية - هاربون - قصص لعبد الصادق بن عيسى

"هــ🏃🏿🏃🏿🏃🏿ــاربون "
• يعيشون حياة عادية ، ينصهرون في المجتمعات ،يذوبون ،وعلى مدى سنواتٍ يظلون يحملون اسرارهم،هي أسرار رهيبة ذكرياتٌ لا تُغمَض لها جفونهم ، يبرعون في التمويه ، يتخدون هوياتٍ زائفة ، يتخفَّون، ثم يأتي يومٌ تنكشف فيه الأسرارُ وتسقط الأقنعة ، ويقعون في قبضة العدالة .
هـــ🏃🏿🏃🏿🏃🏿ــاربون قَصَصٌ مستوحاتٌ من الواقع كتبها ( عبد الصادق بن عيسى)
** حُفِظت القضية **
كان المركب التجاري البلدي السوق الكبير في الناظور يغصُّ بالمتسوقين ذاك الأحد التاسع عشر من يوليوز من العام 2009 ، وفجأةً ارتفع صوتٌ يقول ...هَا هُوَ...هَا هُوَ...وشوهد شاب يجري نحو الباب يتبعه رجُلان برأسِ احدهما صلع ، اختفى الثلاثة وبدأت التعاليق..... هو شبه اجماعٍ على ان الشاب الذي لاحقه الرجُلان لصٌ كان يبحث عن ضحية ، ولعلّ احد الرجلين كان من ضحاياه فاكتشفه وصرخ هاهوَ....هاهوَ ...في اماكن اعمق من السوق صار حديث عن الشاب الذي هرب ولاحقه الرجُلان وراح بعضُ الباعةِ ينسجون حوله قَصَصاً، وقال احدهم انه يعرفه انه فلان ابن فلان من دوار كذا .
من المتسوقين من استهواه سماع تلك التعاليق ، فصار يبطء في انتقاء ما يحتاج اليه من خظرٍ أو فواكه ، ثم محا اليوم كل ذلك الكلام ، بعد يومين في أرضٍ خلاء يمر بها شارع الساقية الحمراء اكتشف بعضُ المارة في الصباح الباكر جثة رجلٍ شابٍ لُفَّتْ في كيسين بلاستيكيين يعودان لمنتوج شركةٍ متخصِّصة في علَف الدواجن ، قال الذي ابلغ عن ذلك الإكتشاف الرهيب انه كان ماراً بشارع الساقية الحمراء في حدود السادسة صباحاً من يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من يوليوز ، فاسترعى انتباهه ذلك الشيئ الذي لُفّ في الكيسين البلاستيكيين ،دفعه فضوله الى أن يقترب ليتبين حقيقته ، وما ان صار على بعد بضع خطواتٍ منه حتى تبين له انها جثة، قال ان رائحةً كريهةً كانت تصدر منها.
اكتشفت الشرطة جثة رجلٍ شابٍ بدأ ينالها التحلل ،كانت ملامحه واضحة ، حُملت الجثة الى المستودع البلدي للأموات ، رجّح تقرير الطبيب الشرعي ان يكون الرجل الذي لا يتجاوز الخامسة والعشرين قضى من جراء عملية خنق ، ولعلّه شُنَق حتى الموت ، رُفِعت بصمات الجثة التي نطقت بهويةِ صاحبها ،اسمه "زكرياء بوعويشة " من موالي العام 1986 بمدينة مكناس .
لم يكن الشاب نكرة ، فقد سبق لمصالح الأمن ان امسكت به في قضايا تتعلق بالنشل والسرقة تحت تهديد السلاح الأبيض ، وحكم عليه بالسجن ما لا يقل عن مرتين ولمدد متفاوتة .
شاع في السوق ان "بوعويشة" قُتل... قيل ....استراح وأراح، وقيل نال الجزاء الذي ظل يسعى اليه ، لم يأسف أحدٌ على موته ،ماذكر من ماضيه لم يحِد عن استحضار اعمال نشلٍ كانت ضحاياها نساء أو عملية سرقةٍ تحت تهديدٍ ب السلاح وأخرى بإدخال الأصابع في جيوب المعاطف ، لا شيئ ذُكر من ماضيه إلا السرقة. فهل يكون قُتل لأنه سرق...؟ هل تمت تصفيته بتلك الطريقة الرهيبة لأنه سرق...؟
لم ينطق بشيئ كيسا البلاستيك الذين لُفت فيهما حثته بعناية كما تلف الموميائات في اثوابها ، يبدو ان من قام بذلك احتاط كثيراً، فلا بصمة ولا أي دليلٍ يقود الى من قتل ولفّ الجثة في الكيسين والقى بها في المكان الذي اكتشفت به.
بعضٌ من الباعة والمتسوقين الذين كانوا في السوق يوم الأحد ربطوا اكتشاف جثة "بوعويشة" بملاحقته من قبل الرجُلين ،شكّكت اصواتٌ في أن يكون الذي هرب هو زكريا بوعويشة ،تناهت القصة ببعضٍ من تفصيل الى مصالح الأمن ، وجائت الشاهدات التي تم الحصول عليها من عدد من التجار تؤكد ان بوعويشة الذي كانو يتقون شره بإغماض العين كان في السوق في السوق صباح الأحد التاسع عشر من يوليوز وأنه شبه مؤكد انه من لاحقه رجلان بعد ان سُمع احدهما يشير الى جهته ويقول ... هاهوَ.
لم يكن أحدٌ مِن مَن التقاهم الباحثون يعرف من يكن الرجلان قيل إن احدهما برأسه صلع ،وقيل انهما قد يكونا من المقيمين في الخارج، كل ما قيل لم يكن يضمن للتحقيق تقدماً ،تكوَّن لذى الباحثين انطباع بأن كثيراً من الناس بالكاد يتحاشون التعبير عن فرحتهم بتصفية من كان يوصف بأنه من اخطر اللصوص ،بعضٌ مِن مَن تقدم بهم العمر وتحيل افكارهم على زمنٍ ولى لا يترددون في استغراب هذا الحرص على الوصول الى من قتل شخصاً معروفاً بانه من اللصوص عانى الناس لفترة من اعتداءاته ،خلال الأيام التي تلت لم تسجل عمليات سرقة تذكر ، بدا النشالون الذين لا تخفى وجوههم عن مصالح الأمن وقد استخلصوا من جثة بوعويشة عبرةً ودرساً ،قد يكون الأمر كذلك ، بعد اسبوع ،في يوم احد في باب السوق الكبير تعرض رجل مسن للسرقة ، قال لرجُلي شرطة كانا غير بعيد ان اثنين احاطا به وطلبا منه ان يسلمهما حافظة اوراقه، ولما امتنع وحاول الدفاع عن نفسه اخرج احد اللصين سكيناً من الحجم المتوسط ومضى به الى حنجرة الرجل المسن الذي لم يجد بداً من الإستسلام وتسليمهم حافظة اوراقه ،اخذاها واختفيا يمشيان بهدوء ، وبينما هو يدلي بما تعرض له وقف بين الجموع شابان ،قال الشيخ وهو ينظر اليهما ... هاهُما...ظلا مكانهما ولم يتحركا ، تقدم احدُ رجلي شرطة نحو احدهما وامسك به ،قال للرجل المسن هل هو هذا من سرِق خافظة اوراقك ؟ نعم كان معه آخر ...التفت الشرطي الى الجهة التي اشار اليها الشيخ ، كان الآخر قد اختفى
في المفوضية اخضع ذاك الشاب الى تفتيشٍ دقيق، لم يكن معه شيئ من ما يعود الى الرجل فأخلي سبيله
غادر الشيخ مقر مركز الشرطة ناقماً ،بعد ايامٍ في مقهى بشارع الفرابي سُمِع الشيخ الذي ينادونه بالعم مُحنْد أمقْرانْ يحكي عن تعرضه للسرقة في باب السرق الكبير ، كان يروي بتفصيلٍ وبعباراتٍ ريفيةٍ فيها الكثير من الوصف الدقيق كيف اعترضا طريقه وكيف هدده احدهما بالسكين واجبره على تسليم حافظة اوراقه ،كان فيها نحو 600 درهم ، قال احد الذين كانوا يجلسون بجانبه ان مثل هؤلاء يستحقون الموت ، وافقه الرأي العم مُحَنْد نطق احد الجلوس وكان من المغاربة المقيمين في الخارج وقال كان هناك في السوق الكبير لصٌ معروف كان يستهدف النساء خاصة والمسنين، استهوى كلامه سمع العم مُحَنْد امقْران ، قال الرجل ان ذلك اللص اعترض قبل ايام سبيل امرأتين جائتا من المانيا وهددهما بسكين كبيرة كان يخفيها تحت ملابسه ،ولما امتنعت احداهما عن تسليمه حقيبتها اليدوية امسك بها وأصابها بجرحٍ غائرٍ في يدها ثم استولى على حقيبتها اليدوية وهرب .
قال الرجل بعد ان رشف من كأس شايٍ وضع امامه عادت المرأتان الى البيت في حالة يرثى لها ،خرج معهما زوج احداهما وشقيق له، حملا تلك التي اصيبت في يدها الى مصحة خاصة ،وبينما هما في الطريق بدت تلك التي لم تصب وقد رأت الذي اعتدى عليها ، قال احدهما أظن انه اللص المعروف ب "بوعويشة " لم يضف كلاماً اخر
كان مُحَنْد امقْران يزداد اهتماماً بما يحكيه الرجل الذي نظر من حوله وخفض صوته قليلاً ثم قال...بعد بضعة ايامٍ أمسكا به ،شنقاه كما يشنق اللصوص ،ثم ألقوا بجثته ،قالها وعاد الى كأس الشاي يرشُف منه ، أحسّ العم مُحَنْد بارتياح قال وقد ظن انه ينطق حكمة يجب قتل الأفعى ،تناهى شيئ من تلك الحكاية الى مصالح الأمن ، وقد ظن من تولى البحث في قضية مقتل بوعويشة انها قد تحمل ما قد يضيئ الغموض الذي بقي مهيمناً على تلك القضية ، في اليوم التالي طُرِق باب بيت الذي أمتع بحكايته العم مُحَنْد امقْران ،كان يسكن في حي اولاد ميمون ،قال بوشتى هو اسمه انه سمع تلك القصة من ابن جار له يقيم في هولندا وكان هو نفسه قد سمعها من صديق له يقيم في ألمانيا احدى الضحيتين زوجته،
عَلِم الباحثون ان والدي هذا الشخص يقيمان في حي الكندي ، من والده الذي استقر في الناظور بعد ان حصل على التقاعد في ألمانيا علم الباحثون ان الرجل الذي تحدث عنه بوشتى واسمه خالد أومنصور يقيم في ألمانيا مع زوجته ،أكد الرجل تعرض زوجة ابنه لاعتداء ولكنه نفى ان يكون لولَديه يدٌ في مقتل بوعويشة ، لم يكن ممكناً المضي ابعد بالتحريات ، يتعين انتظار قدوم خالد أومنصور ليدلي بأقواله في شنق بوعويشة حتى الموت ،كانت الصورة التي اكتشفت للرجل في قاعدة البيانات صورة شابٍ غاز الصلع أمّ رأسه مبكرا ، بعد عام كامل استوقف خالد أومنصور في مطار العروي واكتشف انه مبحوث عنه ، وقد نفى الرجل جملة وتفصيلاً ما نُسب اليه ، وكّل له والِدُه محاميا ارتكز في دفاعه على انعدام دليل يثبت ان موكله أمسك بذلك الشخص المعروف بتعاطيه للسرقة تحت تهديد السلاح وان يكون تورط في جريمة القتل
أسبوعاً بعد خالد أومنصور امسِك بشقيقه علي الذي نفى بدوره ان يكون اعتدى على المدعو بوعويشة ،لم يتم تقديم اي دليل مادي يثبت ما يُظَن أنهما اقترفاه ،قضت المحكمة بحفظ القضية.

الأربعاء، 8 فبراير 2017

مهمشون: بَّا المحضي - قصص لعبد الصادق بنعيسى


 بَّا المحضي


عبد الصادق بنعيسى  مهمشون ميدي 1 مهمشون عبد الصادق مهمشون 2016 مهمشون قصص من الواقع مهمشون قصص مهمشون عبد الصادق بنعيسى مهمشون مع عبد الصادق بنعيسى mohamachoun medi1 mohamachoune mohamachon midi 1 mohamachon medi1 milafat boulicia


في اواخر الستينيات تقدم العمر ب" بَّا المحضي"...و لم يستطع المضي الى حيث  كان يمضي ..كان حين يكون الجو مشمسا يخرج و يجلس متوكئا على جدار ذاك المنزل... كان المحسنون من الجوار و منهم مسعود الحلاق يعتنون به... كان مسعود مرة كل شهر يحمل أدواته و يحلق راسه و يشذب لحيته و كان أحدهم يتولى دفع أجرة الحمام فيقتاد اليه ... و منهم من كان يأتيه بملابس و كذلك نشأت بينه و أولئك المحسنين علاقة كانت متعذرة على مدى كل السنين التي فاتت...
مهمشون...في هوامش المجتمعات حياة تدب مهمشون كان الهامش اختيارا لهم و اخرون ما
كان لديهم من بديل عيون حزينة حينا حانقة احيانا وجوه شاحبة تلازم مناطق الظل و
اجساد حين تتعب تستلقي على الرصيف و في صمت هذا العالم الذي يحاكي صمت القبور
تحدث صرخات ناقمة غاضبة قد لا تسمع الى حين يأتي الهامش يخترق المجتمع يمنحه و لو
للحظة اقاعه و الوانه
مهمشون يكتبها و يقدمها عبد الصادق بن عيسى .
بَّا المحضي...
كل الاطفال الذين كبروا الان و صاروا كهولا يذكرون ذلك المنزل الخرب الذي يحتل الزاوية في أحد الدروب المتفرعة عن الشارع المعروف الان بشارع أنفا ... لم يكن أحد منهم يجرأ على الاقتراب من الباب... نحن في خمسينيات و مطلع ستينيات القرن الماضي في حي السواني في طنجة... اغلب البيوت اكواخ من خشب و قصدير ... في الجوار مساحات لم تكن بنيت من بعد يزرع أغلبها قمحا...تلك ذكريات بعيدة الان و لكن أحمد البقال لا يفتأ يستحضرها و يحكي منها لأبنائه ...كان يسكن ذاك المنزل الخرب رجل يسكن وحيدا ينادونه " بَّا المحضي" حين كان يسال عن أصل هذا الاسم ...الذي يثير استغراب الصغار لم يكن يجد جوابا الا ان يقول ان ذاك الرجل كانوا يعدونه السكان من اولئك المجاذيب الذين يزعمون ان لهم كرامات او انهم يقذرون على القيام بما قد يعد من الخوارق ...يكف الصغار عن سؤال ابيهم ... لعلهم لم يقتنعوا...و لعلهم امسكوا عن اسئلة اخرى مستعجلين بقية الحكاية ...قال احمد البقال انه اضطر مرة الاختباء تحت رداء امه المعروف بالحايك حينما كان في طريقهما لزيارة اقارب و مروا بالقرب من ذلك البيت الخرب الذي لم تكن لبيته مصاريع و لا لبابه دفة ... يومها راه للمرة الاولى فيما يذكره ...كن ذا شعر شعث كثيف و لحية رمادية تدلت في غير تناسق لم تشذب منذ زمن بعيد ...يذكر و قد مرت سنوات بعد ذلك ان " بَّا المحضي" كان لا ينفصل عن جلباب يذكر الناظر اليه انه كان ابيض ذات يوم ...و كما خافه احمد البقال  كان يهابه الطفال الذين يسكنون في الجوار ... يشبه الغموض الذي يلف حياة " بَّا المحضي"الذي قدر بعضهم انه كان زمنئذ في الخمسين او الستين ذاك الغموض الذي بقي يحيط قصة المنزل الخرب ... كان البيت الوحيد المشيد من حجر...هناك من قال ان احد المعمرين الاسبان بناه ليتخذه سكنا ثانويا ...المسنون من السكان قالوا مرة ان ذلك الاسباني الذي كان يأتي الى المنزل رفقة زوجته اختفى فجأة هو و زوجته في مستهل ستينيات القرن الماضي ... و ان المنزل ضل مقفلا سنسن عديدة قبل ان يدب اليه الاهمال ... ثم ظهر الذي سيصير ينادى ب" بَّا المحضي"... تقول تلك الحكايات القديمة انه" بَّا المحضي"يسكن ذلك المنزل الخرب رفقة جنية تزوجته ... و احيانا يقولون سكنته و كانت مبالغات البعض تضيف الى عجيب ما يروى عن ذلك المنزل حديثا عن اصوات غريبة تسمع مرات في بطن الليل ... النساء و الاطفال كانوا الاكثر تصديقا لما كان يقال ... وكانوا الشد خوفا من منزل " بَّا المحضي"  ... لا تعرف للرجل عائلة... و قيل انه جاء من القصر الكبير... وقيل ايضا انه جاء من مراكش سيرا على الاقدام ...قيل الكثير ... يغادر با المحضي البيت ضحى ... في اغلب الايام يحترم ذلك الموعد و يعود بعيد الزوال ثم يغادر عصرا  و يأتي بعد العشاء كان يعلم حضوره من ضوء الشمع الذي يوقده لينير مثواه ...كان من المجاورين له من يعطيه الطعام يأخذه و لا يقول شيئا ... لم يكن ذلك يزعجهم لم يكن يؤذي احدا الا ما كان من مظهره الذي يخيف الصغار و النساء ...كانوا يتحاشونه ان ظهر صدفة في طريقهم و كان هو يتفادى الشبان ...حين يصادفهم ينظر اليهم نظرة خائف ...لا يتوقف... و يدخل المنزل الخرب ... كان من بين اولئك الشبان عبد القادر العماشي المعروف ب التريس  ...كان في السادسة و العشرين ...لم يكن قد تزوج من بعد كانت حالته تثير استغراب الكثيرين...كان الشبان يتزوجون في وقتئذ في سن مبكرة...قال انه تحين ذات مرة فرصة غياب با المحضي عن سكنه فتسلل اليه ... كان الوقت يقترب من المغرب ... كان معه ثلاثة من اصحابه ظلوا بعيدا يرقبونه و هو يمضي الى تلك المغامرة ...و ما ان اخترق الباب حتى سمع صراخه ...اصيب اصحابه برعب شديد ...تريثوا قليلا ... ثم لما تكرر صراخ التريس فروا عدوا بين الاكواخ و قد ظنوه ضاع ...جائهم في الغد ...عيرهم بجبنهم اذ تخلوا عنه لم يكن بمقدورهم سوى ابتلاع لومه ...ثم استدرجه احدهم و قد هدا قليلا الى ان يحكي له الذي حدث ...صمت قليلا ... و كانه يستحضر تلك اللحظات التي يتصورها اصحابه عسيرة ...لعله كان يرتب افكاره ...لينسج لنفسه قصة بطولة ...قال انه ما ان ابتلعه باب المنزل وجد نفسه في غرفة بلبها على اليمين كان هناك بساط على الارض ... فجاة انيرت الغرفة ... توقف يسالهم ان راوا النور من الخارج ... قال احدهم و هو يعلم انه يكذب انه راه ... اذ ذاك واصل التريس روايته ...لما انيرت الغرفة رأيت على ذلك البساط كائنا غريبا ...كانت له قوائم بقرة و راس حصان ... توقف مرة اخرى ...و رسم على ملامحه ما يذكر بالفزع الذي الم به لحظتما ... ثم استأنف اردت ان اهرب ... و لكن ذلك الكائن امسك بي لست ادري كيف.... و لكنه امسك بي ... لا اذر شيئا اخر غير اني وجدت نفسي خارج المنزل ... في اللحظة التي فتحت فيها عيناي راي " بَّا المحضي" يدخل ...نظر الي دون كثير مبالاة ...ثم اختفى داخل المنزل...كانوا ينصتون اليه في صمت ...ثم القى بقوله ان ذلك المنزل مأهول بالجن تماما كما قال كثيرون من قبل ...حين اتى احمد البقال على ذكر تلك القصة  احس بالصغار ينتابهم الخوف ... كما كان ينتابه هو لما كان طفلا ... لم يعد من اثر لذلك المنزل و لكنه كما الذين جايلوه لازال يستطيع تحديد مكانه ... لم يعد الحي اكواخا كما كان ...بل كتلب اسمنت غشيت التلة ...غطتها بالكامل
في اواخر الستينيات تقدم العمر ب با المحضي ...و لم يستطع المضي الى حيث  كان يمضي ..كان حين يكون الجو مشمسا يخرج و يجلس متوكئا على جدار ذاك المنزل... كان المحسنون من الجوار و منهم مسعود الحلاق يعتنون به... كان مسعود مرة كل شهر يحمل ادواته و يحلق راسه و يشذب لحيته و كان احدهم يتولى دفع اجرة الحمام فيقتاد اليه ... و منهم من كان يأتيه بملابس و كذلك نشأت بينه و أولئك المحسنين علاقة كانت متعذرة على مدى كل السنين التي فاتت..
و ذات مساء بين ما كان مسعود الحلاق يحلق راسه بالموسة و كان الوقت صيفا التفت اليه و قال له ... اريد ان اقول لك شيئا ... لم يكد الحلاق مسعود يصدق ما كان يسمعه من ذاك الذي كان ينادونه أيضا المجدوب ... لم ينتظر  منه انتباها ... قال الشيخ ...انه صمت ما يكفي...عليه ان يتكلم اليوم ... توقف مسعود عن الحلاقة ... و في يده الموسة ...كان قد حلق ثلثي الراس ... اظن ان النهاية اقتربت ...قال " بَّا المحضي" ... السنوات الطويلة التي عشتها بين اهل هذا الحي كانت همة في حياتي ...ليس بي جنون ...انما هي الضرورة دعتني الى ان احيا كما عرفتموني ...يصغي الحلاق ل " بَّا المحضي" و قد تملكه العجب ...الشيخ الذي امامه يبدو عارفا بما يريد قوله ...وضع كفه الايسر على ام راسه ...و اقتطع بموساه جزءا مما تبقى من شعر في راس الرجل ...الذي واصل حديثه و هو مطاطا راسه ...اعرف ان الناس هنا تساءلوا ...و يتساءلون عن من اكون ...و من اين اتيت ... الان حان الوقت لأقول لك ... و لان تقول لهم...ان " بَّا المحضي" نطق اخيرا ...اسمي عياد بن جيلالي ...انا من احواز مراكش ...انتهى بي الهروب الى طنجة ...بعد ان قتلت عما لي اراد ان يستحوذ على الارض التي ورثتها عن والدي ...نعم قتلته ... وكنت اهم بدفن جثته فرآني احد سكان القرية لم يخامرني شك بانه سيشي بي ...جريت خلفه و كدت ادركه ...اصبته بجرح في كتفه...... و لكنه تمكن من الافلات...لم يكن لدي من شك انهم سيلحقون بي و سيقتلونني ... قررت الهرب...و لم اكن مستعدا له...صرت اخشى ان يفتضح امري لست ادري كم مر من اعوام...لكنني اعرف انها اعوام عديدة ...لما فرغ مسعود من حلاقة راسه...اعتدل الشيخ في جلسته وقال ... الناس يظنون ان المنزل مأهول بالجن...كلا...انهم كانوا يوهمون ذلك...بعد ثلاثة ايام...لوحظ ان " بَّا المحضي" لم يعد يخرج ليجلس بجوار باب البيت الخرب...ثم اكتشف عصرا و قد فارق الحياة...تناقل الناس حكايته...كم رواها الحلاق مسعود...و كذلك رواها احمد البقال لأبنائه...
النهاية.

مهمشون: ابتسامة متقنة - قصص لعبد الصادق بنعيسى




  بعد الظهر في حدود الثالثة و النصف عصرا كان في ساحة الامم ,كراسي الرخام نالت ما
يكفي من اشعة الشمس و صارت ساخنة اقتعد احدها عيناه تجولان في المكان يترصد
زبونا جديدا في لحظة لا يذكرها احس بارتخاء هي شمس الربيع الدافئة استشعر رغبة
في النوم لا يقاسمه كرسي الرخام احد بما لا يسترسل عليه كان بطول قامته و ما لبث ان
اغف تم لم يعد يسمع ما يجري من حوله لا يدري كم مر من الوقت لما فتح عينه كانت
الشمس قد توارت خلف العمارات المجاورة اخد وصع الجلوس فرك عينيه فركا خفيفا ثم
راها...
مهمشون...في هوامش المجتمعات حياة تدب مهمشون كان الهامش اختيارا لهم و اخرون ما
كان لديهم من بديل عيون حزينة حينا حانقة احيانا وجوه شاحبة تلازم مناطق الظل و
اجساد حين تتعب تستلقي على الرصيف و في صمت هذا العالم الذي يحاكي صمت القبور
تحدث صرخات ناقمة غاضبة قد لا تسمع الى حين يأتي الهامش يخترق المجتمع يمنحه و لو
للحظة اقاعه و الوانه
مهمشون يكتبها و يقدمها عبد الصادق بن عيسى .
عبد الصادق بنعيسى مهمشون ميدي 1 مهمشون عبد الصادق مهمشون 2016 مهمشون قصص من الواقع مهمشون قصص مهمشون عبد الصادق بنعيسى
مهمشون

ابتسامة متقنة ..
ماذا ستكون ردة فعلك ان رأيت احدهم يقبل نحوك مبتسما قد تظن انه يعرفك و انك
نسيته في كل الحالات لن تهرب منه بل لنك تكن على استعداد للاستماع اليه و اعطائه
بعضا من وقتك منذ سنوات اعتاد سعيد الذي يسكن في حي درادب بطنجة ان يسلك المسار
نفسه صعودا الى ساحة الكويت ثم نزولا عبر شارع بلجيكا و وصولا الى ساحة النجمة يعتني
الرجل الذي توحي ملامحه انه من الثلاثينات من عمره بشعره يبدو انه لا يغيب طويلا عن
كرسي الحلاق قد لا يكون في مظهره العام ما يستوقف الانتباه الا ما كان من ابتسامة متقنة
لا تغيب عن وجهه يبدو بشوشا ابدا من حين الى اخر يتوقف يجول بنظره في الرصيف
المقابل يتفحص الوجوه دون ان يثير الانتباه ثم يعبر و يقبل على واحد من المارة يقبل عليه
مبتسما و حين يقترب منه يبادره بتحية بها ما يكفي من الحرارة لتوهمه بانه من معارفه ثم
يقترب اكثر و يخفض بصره متظاهرا بحياء و خجل و هو يقول انا سعيد لعلك لا تذكرني قد
يكون طال الوقت الذي لم نلتقي فيه اعذرني الصغيرة تحتاج الى الحليب و انا امر بضائقة
يصغي اليه الرجل بذهول و لعله ظن ان الذي يكلمه ما قصده الا لأنه يعرفه و لأنه موقن
تماما انه لن يرده خائبا ثم و كان لما سمعه مفعول السحر يدخل يده في جيب سرواله و
يخرج ورقة من فئة عشرين درهما و يناولها اياه يظل سعيد خافضا بصره و هو يستلمها بينما
تتحرك شفتاه بدعاء نصفه غير مفهوم يبتعد شيئا فشيئا يمضي في غير الاتجاه الذي
يمشي فيه زبونه ذاك و لما يوقن ان الرجل مضى الى حال سبيله يعبر الطريق الى جوار
مسجد محمد الخامس وقوفه هناك غير بعيد عن موقف الحافلات لن يثير ادنى شبهة يراقب
جيدا كل ما يحيط به الناس يدلفون في كل اتجاه لا ينبغي ان يستوقف احدا من من
يعرفونه و يعرفهم حقا ذاك ما كان يحرض عليه كل الحرص من حافلة توقفت للتوها نزلت
امرأة ترتدي جلبابا بنيا بغطاء راس به خطوط عمودية دقيقة و تضع على وجهها لثاما تشي
مشيتها بانها تخطت منتصف العمر منذ زمن اقترب منها سعيد و قد رسم على فمه
ابتسامته المتقنة تلك خفض بصره و انحنى قليلا بدا لها و كانه يهم بتقبيل يدها توقفت
المرأة نظرت اليه عيناها التي كانتا كل ما يظهر من وجهها عكسا ما يثير الاستغراب في تلك
الاثناء كان يقول لها بصوت يكاد يسمع اسمحي لي يا امي لعلك لا تذكرينني ان سعيد ابن
خديجة ازدادت عينا المرأة اتساعا و لعلها ازدادت استغرابا يبدو انها لم تره من قبل هو يعلم
علم اليقين ان لا تعرفه حاولت الابتعاد عنه هي بصع خطوات توقفت بعدها لم يذهب الى
حال سبيله قالت له ماذا تريد هو السؤال الذي يتوقعه اقترب منها اكثر كانه لا يريد ان
يسمع احدا ما سيفضي اليها الصغيرة و ذكر لها اسما بحاجة الى حليب و كما تعلمين يا امي
فقد توقفت عن العمل بعد ان اغلق المعمل لم يضف شيئا كلماته تلك اثرت في المرأة التي
استدارت لم يعد يظهر له وجهها فتحت حافظة نقود كانت تمسكها بإحكام في يسراها
مضت بسبابتها و ابهامها تنقب في عمق الحافظة اخرجت منها خمسة دراهم و ناولتها اياه
و هو يشكرها كانت نبرته توحي اليها بان ما اعطته له غير كاف و انه مع ذلك يقنع به مضت
المرأة الى حال سبيلها يعلم ان عليه ان يتحرك في ذلك اليوم الربيعي تلك الساعة تبدو
الاجواء منشرحة قبل ان يبلغ تقاطع شارعي انجلترا و بلجيكا رأى رجلا يوحي مظهره بالوقار
جلبابه ذو اللون البني الفاتح و نظرته الشمسيتان و طربوشه الاحمر مما جعله يظنه من
الاعيان لا يهمه ذلك كثيرا و كما في مرات سابقة لم يتردد رسم ابتسامته على وجهه و
تقدم اليه لعلك لا تذكرني يا عم بلا اذكرك قال الرجل رده ذاك اربك سعيد لم يحدث له ذلك
من قبل ثم استرسل الرجل يساله هل اشتريت الحليب لصغيرتك تلك قالها و هم بالضحك ثم
اضاف لم تعد حيلتك تنطلي على احد ا لا تظن انه عليك ان تبحث على عمل لم ينتظر ان
يكمل الرجل ما يقوله فقد لاحظ ان كلامه بدا يثير فضول بعض المارة ابتعد مطاطا رأسه و ما
لبث أن اختفى في شارع انجلترا بدا له أن يومه ذاك لا يبشر بالخير و لكنه مع ذلك لم
يتراجع عليه أن يحصل على ما يحتاج اليه لشراء جرعة المخدرات التي يدمن عليها جلس
على الجدار القصير للحديقة ظل يتابع الحركة في موقف سيارات الاجرة الكبيرة بالمكان
صخب أصوات من بعض سائقي السيارات ترتفع يتجادلون يتنازعون على من حان دوره ليركب
الزبناء و يسمع كلام يخدش الحياء لم يرى في الوجوه التي تركب و تلك التي تنزل من
سيارات الاجرة الكبيرة وجها يغريه نهض من مكانه ليكمل مساره اليومي ما حدث له صبح
ذلك اليوم الربيعي لم يختلف كثيرا عما حدث في أيام ماضية في شهور ماضية كذلك ظن
مشى بضع عشرات الأمتار نزولا في شارع بلجيكا رأى مرأة شابة تخرج من فرع احدى الوكالات
المصرفية كانت وحيدة خمن أنها سحبت مالا فكر في اتباعها مشى خلفها توقفت عند
واجهة محل تجاري ثم ما لبثت أن واصلت طريقها انعطفت الى شارع فاس أدركها هناك
اقترب منها لما انتبهت اليه جعلت حقيبتها اليدوية تحت ابطها و ابتعدت عنه توقف من
حيث لا تدري توقفت هي الاخرى نظرت اليه تلك الابتسامة التي يجيد رسمها على فمه لا
تبعث بالقلق التفت يمينا و يسارا ثم دنا منها هي القصة ذاتها لعلكي لا تذكرينني أنا لا
أعرفك قالت المرأة تجاهل ما تقول أنا سعيد شقيق مليكة أفلست الشركة التي كنت أعمل
بها و الصغيرة بحاجة الى حليب و لكن المرأة كررت أنه لا تعرفه و لما بدا له أنه لن تعطيه
شيئا التفت يمينا و يسارا ثم انقضى عليها يريد أن ينشل حقيبتها صرخت و لكنه لم
يتراجع كان يمسك بالحقيبة بقوة من ساحة فرنسا تسمع صافرة شرطي المرور من دكان
فريب خرج رجلين مسرعين لما رآهما ترك الحقيبة و أطلق ساقيه للريح ...نزل شارع فاس الى
منتصفه وقف لما أقين أن لا أحد يتبعه
لم يكن ذلك مساره المعتاد يقول لنفسه أن يومه ذاك انطلق انطلاقة خاطئة يظن أن تلك
الحقيبة التي لم يتمكن من نشلها من المرأة كانت فرصته
بعد الظهر في حدود الثالثة و النصف عصرا كان في ساحة الامم كراسي الرخام نالت ما
يكفي من اشعة الشمس و صارت ساخنة اقتعد احدها عيناه تجولان في المكان يترصد زبونا
جديدا في لحظة لا يذكرها احس بارتخاء هي شمس الربيع الدافئة استشعر رغبة في النوم
لا يقاسمه كرسي الرخام احد لما لا يسترسل عليه كان بطول قامته و ما لبث ان اغف تم لم
يعد يسمع ما يجري من حوله لا يدري كم مر من الوقت لما فتح عينه كانت الشمس قد توارت
خلف العمارات المجاورة اخد وصع الجلوس فرك عينيه فركا خفيفا ثم راها المرأة الشابة التي
حاول نشل حقيبتها ظن أنها لم تنتبه اليه كانت تسير في اتجاه ساحة النجمة ظل مكانه
يتابعها كانت وحيدة هل يلحق بها ... الشارع ينزع الى الازدحام ثم قرر ان يتبعها من بعيد
حتى ما بدت له فرصة متاحة خطف منها الحقيبة و هرب غادر الكرسي الرخامي و تبعها رأها
علي بعد خمسين مترا أسرع الخطوة ليكون أقرب منها توقفت عند الاشارة الضوئية حسب
أنها فرصته التي يتحينها اقترب منها أكثر ثم انقضى عليها أمسك بالحقيبة تمكن من
نشلها هاته المرة سقطت المرأة أرضا بينما جرى هو يريد أن يعبر الطريق تفادى سيارة كانت
تمر تلك اللحظة و لكن دراجة نارية كانت تمر من الاتجاه الاخر صدمته سقط و سقط سائق
الدراجة النارية هم بالنهوض و هو يمسك بالحقيبة و لكنه لم يستطع أدركه من كانوا
شهودا على عملية النشل ركله أحدهم بقوة اختفت من وجهه ابتسامته تلك و ارتسمت
على ملامحه تعابير الألم شقت المرأة الشابة طريقا لها بين المتحلقين أمسكت بحقيبتها و
هي تشتمه تعالت أصوات منبهات السيارات ثم شوهد شرطي المرور يصل ألقى بكلمات في
جهاز الراديو الذي بيده بعدها جاءت أصوات تشبه الخشخشة ما لبثت أن انقطعت حمل
صاحبنا الى المستشفى في سيارة الوقاية المدنية قال الطبيب الذي فحصه انه أصيب
بكسر في ساقه تقدمت المرأة صاحبة الحقيبة اليدوية بشكوى ضده أمضى عقوبة حبسية
لم تكن طويلة ثم عاد الى الشارع بابتسامة متقنة يردد الحكاية ذاتها حكاية صغيرته التي
لا زالت بحاجة الى حليب بعد كل تلك السنين ما حدث له في ذلك اليوم الربيعي أثناه عن
كل محاولة نشل جديدة في مرات كثيرة ما أن يستوقف احدهم و يبدأ في سرد قصته حتى
يفاجئ بأن من استوقف يكرر معه العبارات ذاتها قد ينتبه ذات يوم أن حبل حيلته قد
انقطع.